أحمد مصطفى المراغي
111
تفسير المراغي
قال مقاتل : نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب ، وكان أول قتيل من المسلمين يوم بدر ، رماه عامر بن الحضرمي بسهم فقتله ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم يومئذ : « سيد الشهداء مهجع ، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة » وجزع عليه أبواه وامرأته فنزلت « ألم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا » الآية . الإيضاح ( ألم ) تقدم أن قلنا إنه ينطق بالحروف المقطعة في أوائل السور بأسمائها ساكنة فيقال : ( ألف . لام . ميم ) . والحكمة في البداءة بها التنبيه وطلب إصغاء السامعين إلى ما يلقى بعدها ، فإن الحكيم إذا خاطب من يكون مشغول البال قدّم على المقصود شيئا غيره ليلفت المخاطب بسببه إليه ، فحينا يكون كلاما مفهوما كقول القائل اسمع أو ألق بالك إلىّ ، وحينا يكون في معنى الكلام المفهوم كقولك يا علي ، وحينا يكون صوتا غير مفهوم المعنى كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه . فالنبي صلى اللّه عليه وسلم وإن كان يقظ الجنان فهو إنسان يشغله شأن عن شأن ، فحسن من الحكيم الخبير أن يقدّم على المقصود حروفا هي كالمنبّهات لا يفهم منها معنى ، لتكون أتم في إفادة التنبيه ، لأنه إذا كان المقدم قولا مفهوما فربما ظن السامع أنه هو المقصود ولا كلام للمتكلم بعد ذلك ليصغى إليه ، أما إذا سمع صوتا لا معنى له جزم بأن هناك كلاما آخر سيرد بعد ، فيقبل إليه تمام الإقبال ، ويرهف السمع إلى ما سيأتي . وقد ثبت بالاستقراء أن كل سورة في أوائلها حروف التهجي بدئت بذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن نحو « ألم ذلِكَ الْكِتابُ ، المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، يس وَالْقُرْآنِ ، ص وَالْقُرْآنِ ، ق وَالْقُرْآنِ ، حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ » * إلا ثلاث سور « كهيعص ، ألم أَ حَسِبَ النَّاسُ ، ألم غُلِبَتِ الرُّومُ » .